الشيخ محمد السبزواري النجفي
189
الجديد في تفسير القرآن المجيد
عداوتهم له عليه السلام أنهم صاروا سببا لإضلال أبنائهم الذين كانوا معاصرين له عليه السلام وكانوا عدوّا له ، ( فلما كان منشأ عبادة الأبناء للأصنام هو الآباء كما استدلوا به فهم صاروا منشأ للعداوة الناشئة عن العبادة الباطلة . وعلى التقديرين قوله عليه السلام إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ استثناء منقطع على احتمال الأول الذي هو الأظهر في النظر ومتصّل على الثاني ، ولعل الوجه في هذا التعبير من دون عكسه بأن يقول : فإنّي عدوّ لهم لأنّه أنفع في النصح وأدعى للقبول . ثم أنّه عليه السلام أخذ في بيان أوصاف ربّه إتماما للحجّة على خصمائه حيث إن تلك الأوصاف لا توجد إلّا فيه تعالى فمنها الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ إلى المنافع الدنيوية والأخروية . وهاهنا نكتة وهو أنّ قوله الَّذِي خَلَقَنِي ذكره بلفظ الماضي و يَهْدِينِ بلفظ المستقبل ، والسبب في ذلك أن خلق الذات لا يتجدّد في الدنيا فحينما توجد تبقى إلى الأجل المعلوم ، وأما هدايتها فهي تتكرر كل حين وأوان سواء كان ذلك هداية إلى المنافع الدنيويّة أو الدّينية وعلى ضروب الهدايات في كلّ لحظة ولمحة . ومثل ذلك يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ . . . إلى أن قال : 80 - وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ . . . وإنّما غيّر أسلوب كلامه الرفيع ولم ينسب المرض إليه تعالى كما نسب الخلق والهداية والإطعام والسقاية إليه سبحانه ، بل نسبه إلى نفسه عليه السلام لأنه في غالب الأمر انما يحدث المرض بإسراف الإنسان وتفريطه في مطاعمه ومشاربه . أو ان هذا كان لجهة حسن الأدب فإنه في مقام تعداد النعم وليس المرض منها . وأما مسألة الموت فسيجيء الجواب عنها بقوله : 81 - وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ . . . عدّ الموت من النّعم ولذا أضافه إلى اللّه سبحانه ، لأنه لأهل الكمال وصلة إلى الحياة الباقية ، وسبب إلى نيل العطايا التي تستحقر دونها الحياة الدّنيويّة ، وواسطة للخلاص من أنواع المحن والبلايا ، فهو نعمة وإن كانت مقدمته المرض الذي هو توأم مع الآلام